شبكة قدس الإخبارية

 الملاكان الصغيران فرح وصالح خرجا من فم الموت بقدم مبتورة وأحلام لا تزال تتنفس

205579497_536538434132329_6723554813337312345_n
دعاء شاهين

 

غزة - خاص قُدس الإخبارية: أمام شاطئ بحر غزة يجلس الفتى صالح حميد (6 أعوام) على كرسي متحرك يراقب أشقائه وهم يمارسون هوايته التي يعشقها وهي السباحة، محاولًا إحفاء قطرات دمعه التي ملأت تجويف عينيه.

همّ بالتحرك عن الكرسي مستندًا على والديه اللذين كانا بجواره، يريد أن تلمس قدماه ولو أمواج البحر فقط، فلم تسعفه قدماه فواحدة ملتصقة بجسده والأخرى تحت التراب.

خرج صالح من فم الموت، لم يكن يعلم أن ذهابه بصحبة والده وشقيقيه لشراء أغراض عيد الفطر، خلال العدوان الأخير على غزة سيعرض حياته للخطر، لكن كُتب له عمر جديد.

يروي والد صالح ما حدث معهم في ذلك اليوم، ويقول: "أصرّ يومها صالح الذهاب، حاولت أن أقنعه بالخطر بالخارج لكنه كان فرحا ويريد أن يشعر بأجواء العيد آخر أيام رمضان، فلان قلبي له، واصطحبته معي".

يكمل: "ونحن في الطريق حيث أسكن بشارع بغداد في حي الشجاعية شرق غزة،  بدأت طائرات الاحتلال شن غاراتها بشكل عشوائي، وبلحظة لا أعرف ماذا حدث، أغمي علينا جميعنا، الضوضاء بالشارع في كل مكان، الغبار وصراخ الناس، كان الشارع ساكنًا فتحول لحالة هلع مرعبة".

حينها شعر والد صالح أنه فقد أولاده جميعهم، كان يصرخ عليهم لكن لا أحد يسمعه، حتى بعد لحظات استفاق اثنان منهم، لكن صالح لا يزال مفقودا، نادوا عليه بصوت مرتفع "صالح أين أنت" لكن لا مجيب.

المنطقة تحولت لمكان عسكري مغلق من شدة الصواريخ، وسيارات الإسعاف لم تستطع الدخول حينها، أشقاء صالح راحوا يبكوه ووالدهم، وفجأة سمعوا صوتا خافتا من بعيد ينادي "يابا، يابا تعال" فتوجهوا إليه مسرعين فوجدوه ممتلئا بالدماء، وقدمه قد بترت على الفور.

حملوه على أكتافهم حتى وصلوا لسيارات الإسعاف التي كانت أول شارع بغداد، فأخذته لمستشفى الشفاء بسبب حالته الحرجة جدًا، ولم يتوقع حينها أشقاؤه ووالده أن يعود مرة أخرى للحياة، وظل على أسرة العناية المركزة قرابة الثلاثة أيام، حتى استفاق، وتم تحويله لمستشفيات مصر للعلاج في رحلة استمرت لعدة أيام قبل أن يعود لغزة.

حكاية صالح لم تنتهِ هنا، بل بدأ  فصل ثان ما بين حزنه على فقد إحدى قدميه إذ لم يتقبل في البداية جسده دون قدم وتبادر لذهنه كيف سيحقق أحلامه وشغفه بلعب كرة القدم والسباحة، والركض مع أصدقائه في الحي وكيف سيذهب للمدرسة.

تحديات كبيرة تواجه الطفل صالح أهمها أنه يسكن الطابق الثالث بمنزل عائلته، وهذا ما جعل والده يتخذ قرارا بأن يبقى بالطابق السفلي عند جدته، حتى يستطيع الخروج من المنزل بسهوله، فهو بحاجة لتركيب طرف صناعي، يجب تغييره مع نمو جسده كل ثمانية شهور مرة.

ويقول الطفل صالح: "لدي أحلام كبيرة بدي أحققها، نفسي أصير لاعب كرة مشهور فهذا حلمي، وأن أمارس هواياتي في السباحة، حتى إن حاولت إسرائيل القضاء علينا، ومحاربتنا بكل القوى لديها، ستبقى آمالنا وأحلامنا أكبر منها".

بُترت قدم صالح، لكن لم تبتر عزيمته ورغبته في أن يُكمل الحياة دون نقص، فهو ينتظر الآن حصوله على الموافقة للعلاج في الخارج لتركيب طرف صناعي، حتى يعود مرة أخرى لممارسة أحلامه التي لم ينجح الاحتلال الإسرائيلي في القضاء عليها.

حكاية الطفل صالح ليست الأولى ولا الأخيرة، فمسلسل استهداف الأطفال من قبل الاحتلال مستمر، دون مراعاة لأدنى قوانين حماية الطفولة، بعضهم استشهد مباشرة، وآخرون تعرضوا لإصابات بالغة في أماكن متعددة في جسدهم، ومن نجا لم يسلم من الاضطرابات النفسية، بسبب العدوان على القطاع، حيث استشهد 67 طفلًا وفق الصحة وعشرات الإصابات.

 داخل عنبر مستشفى بالأردن تتمدد فرح سليم ذات الـ7 أعوام على سريرها تتجرع الألم بعدما أصابها أحد صواريخ الاحتلال بقدمها مما أدى لبترها، بعد أن أوعز الملك عبد الله بنقلها إلى المدينة الطبية.

 صمت الفرح، فبعد أن كان يملأ صوتها أنحاء المنزل محبوبة من قبل الجميع، فهي المحرك الرئيسي للبهجة في المنزل، تساعد والدتها في أعمال المنزل، وتشتري لوالدها عادة الأغراض من البقالة، كذلك تساعد أشقائها في التعلم.

 لكن يبدو أن الاحتلال تعمد أن ينغص الفرح، حيث تعرض منزلها للاستهداف مباشر بصاروخ طائرة الاستطلاع، فكانت ليلة عصيبة تعيشها العائلة، قبيل إعلان وقف إطلاق النار بين فصائل المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي.

مما عرض فرح وأشقائها الثلاثة "سعد، شهد وأميرة" لإصابات متعددة، لكن إصابتها الأصعب رغم محاولاتها حماية نفسها وعائلتها من صواريخ الاحتلال، فكانت عادةً تجلس في منزل جدتها في الطابق الأرضي، بينما عائلتها بالطابق العلوي، في حي الصبرة شرق قطاع غزة.

"نأسف فقد تم بتر قدم فرح.." بهذه العبارة أخبر الأطباء والدتها التي ترافقها في رحلة العلاج بالخارج، بما سيحدث لطفلتها المدللة، فالخيارات أمامهم كانت ما بين بتر القدم أو أخذ عظام من الظهر لترقيعها، ومن ثم ستبقى الطفلة تخضع لعمليات حتى سن 18 ومع ذلك ستعاني من مشاكل في القدم، لكن الخيار الأضمن وفق الأطباء كان البتر، بعد إجراء عملية معقدة لها.

 تبدو هذه من أصعب اللحظات التي تمر بها، لا تقوى والدة فرح على حبس دموعها فانهارت بالبكاء، لكن ما كان بوسع فرح إلا أن تربت على كتف والدتها بعزيمة، فلا متسع للحزن بعد، هي تريد أن تشق طريقها حتى وإن كانت بقدم واحدة، فلا تزال أمامها أحلام وطموحات تريد تحقيقها، لتقهر بذلك الاحتلال. وفق ما أفاد والدها لشبكة قدس الإخبارية.

 لكن أحيانًا تراود فرح آلام في قدمها اليمنى نتيجة البتر فهي لم تتعافَ بعد، لكن ما يخفف عنها بين الحين والآخر اتصالات أشقائها وصديقاتها ومدرساتها اللواتي يقدمن الدعم المعنوي لها.

ويقول والدها إنه جهز لها غرفة خاصة في منزل جديد يسكن به، بدلا من المنزل الذي قصفته طائرات الاحتلال الإسرائيلي، تنتظر عودتها، لتمارس هوايتها المفضلة بالرسم، حيث لا يزال محتفظًا بأغراضها التي أخرجها لها من تحت الركام، لتعيش حياتها مرة أخرى بعد أن نجت من الموت بقدم واحدة.

 

 

#غزة #شهداء #عدوان #قصف #هدم #إصابات