شبكة قدس الإخبارية

ليس مزاحاً أنّ "إسرائيل" في ورطة

60a42b034c59b75ca01a4de2
أسامة غاوجي

ليس مزاحاً أنّ "إسرائيل" في ورطة، وأنها تواجه الآن وغداً معضلة حقيقية تهدد وجودها:

لن أتحدث عن الاعتبارات الشعبية – التي توشك على التحول إلى انتفاضة (فحرب تحرير إن شاء الله)- ولا عن الاعتبارات الإقليمية والدولية المتمثّلة بتراجع الدور الأمريكي في المنطقة، وخسارة "إسرائيل" كثيراً من رصيدها الإعلامي وما كانت تحظى به من تأييد أعمى في الإعلام الغربي.

عسكرياً، غزة وحدها معضلة:

قدرات فصائل المقاومة في غزة تتضاعف بين كلّ حرب وأخرى. اليوم، تغيّرت قواعد الاشتباك: أ) المقاومة أخذت المبادرة بإعلان بداية المعركة ب) أصبحت كلفة هدم الأبراج السكنية في غزة عالية على الاحتلال (قصف تل أبيب) ج) تطلق المقاومة ما يزيد معدّله عن 400 صاروخ يومياً (حتى البارحة، تجاوز العدد 3000 صاروخاً، بينما أطلقت المقاومة في حرب 2014 (التي استمرت 47 يوماً) 4564 صاrوخاً، بمعدل يقترب من 100 صاروخ وقذيفة هاون في اليوم)، أما نسبة الصواريخ المتوسطة المدى منها فقد بلغت في الأيام الأولى من الحرب 17% من الصواريخ.

يعترف جيش الاحتلال بأنّ هذا أعلى معدّل يومي لإطلاق الصواريخ في تاريخ "إسرائيل". الأنكى عليهم، أنّ القبة الحديدية لم تتمكن من اعتراض إلا 1210 صواريخ من بين 3100 (39%)، بينما أخفق 450 صاروخ لوحده (طبعاً، هذا بحسب بيان جيش الاحتلال. بالمناسبة، كانت "إسرائيل" تسوق جيشها وتزعم أنّ كفاءة القبة الحديدية في الاعتراض تبلغ 90%). في اليوم الأول من المواجهة، أطلقت المقاومة 470 صاروخاً، وهو ما أوصل رسالة مفادها أنّ ذخيرة المقاومة أكبر مما كان الاحتلال يتوقع، وهو الأمر الذي أكدته تصريحات فصائل المقاومة ومفادها أنها مستعدة للاستمرار 6 أشهر وأكثر.

إضافة إلى ذلك، شاهدنا المفاجآت النوعية التالية:1) مدى صاروخي يشمل الأراضي المحتلة بكاملها، ودقة إصابة عالية (البارجة ساعر 5 تكفي دليلاً) 2) الطائرات المسيرة 3) الغواصات المسيرة 4) هجمات سيبرانية. والمفاجآت مرشحة للتزايد.

منذ 2009 على الأقل، أرادت "إسرائيل" الحفاظ على الوضع القائم لأطول وقت ممكن: إبقاء القطاع محاصراً، وإبقاء حماس فزاعة، واستغلال ذلك في ترسيخ الانقسام وإبقاء الضفة مأمونة، ومنع ظهور أجسام أكثر راديكالية أو انفلاتاً في غزة، ثمّ خوض حرب دورية (كل أربع سنوات) بهدف خلق عقيدة ردع تجعل المقاومة دوماً في وضع دفاعي، وإبقاء فصائل غزة مستنزفة، ومنعها من مراكمة عتاد كافٍ، واستكشاف ما لديها عسكرياً وما طوّرته، ثمّ اغتيال بعض القيادات المؤثرين، وطبعاً تخويف الحاضنة الاجتماعية وتأليبها ضدّ أي حرب استباقية من طرف غزة. وبعد وقف إطلاق النار: تفريغ أي انتصار حققته المقاومة عسكرياً من مكاسبه السياسية.

اليوم، انكسرت المعادلة، ولم تعد "إسرائيل" قادرة على الاستمرار في هذه الاستراتيجية: 1) في الحرب القادمة، ستزيد الترسانة الصاروخية للمقاومة، وستتطور نوعياً (ربما يمتلكون في المرة القادمة مضادات طائرات). 2) المقاومة، و"حماس" بالأخص قدّمت نفسها كممثلة عن كلّ فلسطين، فسيـف القدس لم يرتفع لرفع حصار غزة أو فتح المعابر، بل سلّ من غمده انتصاراً لعاصمة فلسطين وقبلة المسلمين، والحركة اليوم تصدر بيانات تشحذ فيها همة أهل الداخل والضفة وتوجّه تحركاتهم، وتحمي ظهرهم بالصواريخ، وهذا مكسب سياسي مخيف لـ "إسرائيل" .

3) ونعود إلى الشق العسكري: صعوبة الخروج من المواجهة بنتيجة مشرّفة تستطيع القيادة "الإسرائيلية" تصويرها كانتصار.

باستثناء خيار التهدئة ومحاولة تصوير وقف إطلاق النار كشبه انتصار، وبالتالي انتظار معركة مستقبلية أشدّ خطورة. تملك "إسرائيل" أمام هذه المعضلة 3 خيارات ممكنة:

1) أن تقوم باجتياح غزة وإنهاء وجود "حماس" تماماً. وهو خيار يشتهيه رجال القسام المستعدّون للجسارة والمواجهة الميدانية. يمكن لـ "إسرائيل" أن تنجح إذا كانت مستعدّة لإسقاط عدد هائل من الضحايا الفلسطينيين (عشرات الآلاف)، وإذا كانت مستعدة لدفع كلف عالية جداً من جنودها قتلاً وأسراً. وطبعاً، لاعتبارات لا تتعلق بالشرف، تعارض مصر هذه الفكرة.

2) أن تعترف "إسرائيل" بواقع غزة وسيطرة حماس على القطاع، وتقبل الدخول معها في مفاوضات سياسية طويلة، وهو خيار "عقلاني" –ترعاه بعض القوى الإقليمية- وربما يؤول إلى التخفيف من حصار القطاع وتحسين وضعه، وربما يروّج له البعض كمسار يمكن أن يجعل حماس أكثر "اعتدالاً".

قد تقبل حماس بهذا السيناريو، بل قد تتمناه. ولكنّ "الإسرائيليين" –والحمد لله- لن يقبلوا به لأسباب عنجهية تغطي كلّ المشهد السياسي "الإسرائيلي" اليوم، ولن يقبله نتنياهو بالأخص –حتى لو بدا أنه الخيار الأمثل لإطالة عمر الكيان المحتل- لأنّه سيحرقه إلى الأبد ويهوي به إلى مصير أولمرت.

3) الخيار الثالث وهو المرجح: أن تضاعف "إسرائيل" من وحشيتها، تحديداً لأنها متخبطة ولا تمتلك أفقاً للخروج بانتصار. سيكون هذا قاسياً على غزة: مزيد من القصف العشوائي، أنواع جديدة من القنابل ذات القدرات التدميرية العالية، مزيد من الشهداء ممن سيسقطون بلا تحذير. يأمل الإسرائيليون بذلك رفع الكلفة الشعبية على المقاومة، وطبعاً تدمير أكبر قدر ممكن من قدرات المقاومة وبنيتها التحتية، مع أمل –واهم إن شاء الله- بأنّ قدرات غزة الصاروخية لن تمكّنها من الصمود لأكثر من شهرين أو ثلاثة.

هذا السيناريو تحديداً هو ما سيدفع المواجهة على الجبهات الأخرى إلى مستوى جديد: الضفة والداخل المحتل والقدس، والدول المجاورة.

وسيصب الزيت على نار المعركة في كلّ مكان، ويوجّهها إلى مفاصل غير متوقّعة. يراهن الإسرائيليون على إمكانية ضبط كلّ جبهة على حدة. هذه المراهنة تأتي تحديداً من تعاملهم معنا بوصفنا كتلاً متفرّقة، ومن ثقتهم بكلاب الحراسة الذين يتولون ضبط الأمن لهم في الضفة وفي الجوار. ولكنّ هذه الوحشية هي ما ستجعل الفلسطينيين وشعوب المنطقة أكثر اندفاعاً إلى التصعيد الشامل وإلى الدخول في حرب مفتوحة تجتمع فيها لسعات البراغيث على جسد "الحمار" المتعب، وإلى فتح سيناريوهات جديدة وغير متوقعة في المنطقة برمتها، بعد سنوات من حفلة الخراب العربي المديد.

حقّقت المقاومة ضربات موجعة، وستحقّق المزيد، ولكنّنا سندفع دماً شـــهداء. وكلّ شــهيد هو مسمار في نعش الاحتلال الكبير. كلّ يد عليها اليوم أن تستعدّ، وكلّ قلب عليه من الآن أن يتأهّب، وأن يبحث عن أقرب ثغرة إليه، وعن أقرب أخ يُمكن أن يسنده وقت الشدّة. لن نترك غزة وحدها تحمل العبء!

بل، لن نترك غزة وحدها تنال الشرف!

#حماس #المقاومة #سيف_القدس #ورطة