شبكة قدس الإخبارية

لماذا استهدفوا زوجة منفذ عملية زعترة بالشائعات؟ 

182704148_290859569359224_5950733745110796549_n

رام الله - قدس الإخبارية: كتب أحد الصحفيين العاملين في أحد المواقع المختصة في التحقق من صحة الأخبار أنه يعمل منذ عام ونصف في هذا المجال، وقد مر عليه مئات الأخبار غير الدقيقة والمشبوهة، لكنه لم يتوقع يوما أن يمر عليه خبر بشع كالخبر الذي انتشر عن زوجة منفذ عملية زعترة، ومفاده أنها سلمته لقوات الاحتلال الإسرائيلي بالتنسيق مع السفارة الأمريكية.  

انتشر الخبر المشار إليه بداية على صفحة الحياة الجديدة -وسيلة إعلام رسمية تتبع للسلطة الفلسطينية - ثم على عدة صفحات مجهولة الإدارة، وتكمن بشاعته في أنه صور زوجة منفذ العملية كمخبر يبحث عن مصالحه الذاتية المتمثلة في الجنسية الأمريكية، وهو بذلك جردها من حسها الإنساني والوطني، كما حاول التدليل على هشاشة الحاضنة الاجتماعية للمقاومة والمقاومين حتى في دوائرهم الضيقة.

وحتى نفهم سياق الخبر المشبوه لا بد من التعرض لسياق الأحداث في الفترة التي تلت عملية زعترة، فقد أظهر الفلسطينيون في القرى والبلدات التي اقتحمتها قوات الاحتلال بحثا عن منفذ العملية، تضامنا عاليا ومساندة استثنائية، رغم كل ما تعرضوا له من تنكيل وبطش، وجاء مقطع الفيديو الذي نشرته شبكة قدس لأحد أصحاب المنازل التي تم اقتحامها وهو يؤكد على أن كل شيء يمكن تعويضه إلا سلامة المنفذ، ليحول حالة التضامن والإسناد إلى معنى كبير مرافقا للحدث، ثم كانت منشورات النشطاء والمستخدمين والصفحات في تلك البلدات كلها تصب في هذا الاتجاه، ما أزعج بكل تأكيد مخابرات الاحتلال الإسرائيلي وأدواتها التي تستهدف الحاضنة الشعبية بقدر استهدافها للمقاوم نفسه.

لكن لماذا زوجة المنفذ تحديدا؟.. الإجابة على هذا السؤال تتكون من شقين: الأول، هو اتهامها للسلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية تحديدا بالتحقيق مع أفراد العائلة من أجل الوصول لمعلومات حول المنفذ، وهذا خلق حالة من الغليان والسخط في الشارع الفلسطيني الذي رأى في العملية ردا منطقيا على ما يقوم به الاحتلال في القدس، وبالتالي تم اختيار هدف مزعج بالنسبة لأطراف في المعادلة الأمنية من أجل تشويهه، ومن أجل درء  التهمة عن المتهمين التقليديين بتسليم المعلومات عن المنفذ. الثاني، رسالة للحاضنة الشعبية بأن المطلوب أو المقاوم يشكل عبئا على أسرته ومحيطه الاجتماعي، فالأولى عدم احتضانه أو التستر عليه ومساعدته، إذا كانت زوجته من سلمته، لماذا يكلف آخرون أنفسهم، من بلدات أخرى لا يعرفونه ولا يعرفهم، عناء هذه المهمة؟.

يحيلنا هذا التفكيك لعناصر الخبر إلى الإطار النظري للشائعة الأمنية، والتي تعتبر إحدى الأدوات المهمة التي تستخدمها مخابرات الاحتلال للتأثير في بيئة العدو، إذ أن الجمهور المستهدف في الشائعة الأمنية يتوزع في خانتين: الفرد، فاستهداف الفرد بالشائعة يشكل نوعا من الانتقام منه وتفكيكا للحاضنة الاجتماعية من حوله، وهذا نلحظه في عمليات تشويه المقاومين من قبل صفحات المخابرات وأخرى مقربة منها. الثاني، المجتمع ككل، وتستخدم مخابرات الاحتلال في هذه الحالة التعميمات، بمعنى إسقاط شبهة على ظاهرة بأكملها، فمثلا: ربط المقاومة في غزة بالظروف المعيشية، وعمليات الطعن في الضفة المحتلة بالمشاكل الاجتماعية والظروف النفسية للمقاوم وفي الأخيرة يكمن تداخل في الرسالة. 

بالعودة لـ الحياة الجديدة، والتي تتلقى ميزانتيها من أموال الشعب الفلسطيني، وهذا يحتم عليها الانحياز لقضاياه ومقاومته، فقد أعلنت عبر صفحتها على الفيسبوك عن اعتذارها عن الخبر المذكور، لكن اعتذارها حمل أيضا اتهاما جديدا لها. قالت إنها استقت الخبر من مجموعات موثوقة وإنها تحتفظ بنسخ مصورة من داخل هذه المجموعات، وكأن المشكلة كانت في مصدر الخبر وليس في رسالته، فحتى لو كان الخبر بالفعل منقولا عن الإعلام العبري - وهو ما ثبت أنه غير دقيق - يبقى السؤال: أين السياسة التحريرية للصحيفة من تفكيك وتحليل الأخبار العبرية الموجهة في غالبها؟ ثم ألا يستحق خبر كهذا بما يحمل من تشويه ومخاطر على الرواية الفلسطينية تشكيل لجنة تحقيق لمعرفة مصدره وكيف لصحفي في وسيلة إعلام فلسطينية أن ينشره من بين عشرات الأخبار المنتشرة عن بطولات المنفذ وصمود عائلته؟. 

بقي أن نشير إلى أن مصطلح "إعلام عبري" أصبح أكبر أدوات الدعاية التي تستخدمها بعض الأطراف الفلسطينية الداخلية إما لتشويه جهات فلسطينية أخرى أو ظواهر وحالات مقاومة، كما أن هذا المصطلح يستخدم في الترويج لسياسات إشكالية في الحالة الفلسطينية وأشخاص وقيادات، وقد التقطت مخابرات الاحتلال هذه الظاهرة لتستخدم هذا النوع من الأخبار إما المسند لمصادر إعلامية إسرائيلية أو مجهول المصدر من أجل تمرير رسائل للفرد والمجموع الفلسطيني، لتضاف لأدوات الاحتلال الإسرائيلي أداة دعاية وشائعة أخرى غير تلك التي نعرفها والتي تتمثل في صفحات ضباط المخابرات والحسابات والمواقع الوهمية.