شبكة قدس الإخبارية

الشيخ "عاطف حنايشة".. بيت "دجن" تفتقد صوت مؤذنها الندي

Ma3an-01
 

161632173139621
يحيى موسى

رام الله – خاص قدس الإخبارية: ذاك الصوت الذي كان يصل قمم الجبال، ويدخل إلى منازل القرية وآذان وقلوب ساكنيها، الصوت الندي الذي يحشد الناس للصلاة وهم يلاحقونه أينما حل وارتحل ليؤم بالمصلين كل يوم منذ خمسة وعشرين عامًا دون انقطاع متطوعا لـ "وجه الله" دون أجر مادي، لم تفته آذان وتكبيرة إحرام واحدة، صوته الذي يشحذ همم الناس للعبادة والدفاع عن الأرض كان الهدف القادم للاحتلال.

انبعث صوته الندي لإقامة صلاة الجمعة من مئذنة المسجد "الكبير" بقرية بيت "دجن" شرق نابلس؛ وهو يشد أحزمة الرحيل، والوداع – هو نفسه لا يدرك ذلك – وما أن انتهت الصلاة خرج مؤذن وإمام المسجد الشيخ عاطف حنايشة مسرعًا لمشاركة الأهالي في الفعالية التي تخرج للدفاع عن الأراضي المهددة بالمصادرة التي استولى عليها المستوطنون.

للجمعة الثالثة والعشرين على التوالي تقدم الشيخ عاطف الصفوف الأولى، وضع الحجر في المقلاع ودار به عدة دورات – كأحد أدوات المقاومة الشعبية - قبل أن يطلق له العنان لينطلق تجاه جنود الاحتلال والمستوطنين، ولحق به غضبه المنتفض بداخله، لم تمر سوى دقائق معدودة، حتى ابتلعت الجبال صدى صوت رصاصة اخترقت مدخل فمه كرسالة من الاحتلال لأهالي القرية أنه أسكت صوت مؤذنهم.

أردته الرصاصة أرضًا مضرجا بدمائه لتبتلع وترتوي من دمائه النازفة، ويسكت صوت المؤذن الشهيد ويرحل عن مئذنة بيت دجن للأبد، ليعود إلى القرية محملا على اكتاف الشباب يلفه علم فلسطين المخضب بدمائه، حتى الورد الذي ألقته النسوة من سلال قروية انتفض في السماء فخرًا بابن القرية وهي يزف في مراسمه الأخيرة.

لأول مرة يغيب الصوت

في اليوم التالي (السبت 20 مارس/ اذار 2021)، لأول مرة منذ 25 عامًا استيقظت القرية دون أن تسمع الآذان يخرج من فم الشيخ عاطف، استيقظت حزينة وقد استوطن الحزن فيها، حزنا على رحيل رجل يعرفه كل بيت وفرد فيها، وهو الذي يزورهم مع أصوات تكبيرات الآذان خمس مرات، يعرفونه في رمضان وتراويحها.

على الطرف الآخر من سماعة الهاتف، يبوح شقيقه واصف بالكواليس التي سبقت المشهد السابق لشبكة "قدس الإخبارية" كأنه يشد صوته الغائب في براثن الحزن من قعر بئر: "لدينا في القرية مسجدان: المسجد القديم، ومسجدٌ جديد الذي يؤذن فيه، أصر أخي عاطف علي بالذات يوم الجمعة أن نصلي في المسجد القديم الذي ستنطلق منه المسيرة حتى يستطيع اللحاق بها من البداية".

دخل الشقيقان المسجد، وأذن الشيخ عاطف لصلاة الظهر وأقام الصلاة، يستحضر شقيقته الصورة الأخيرة بقايا المشهد: "ركب معي السيارة، وعندما وصلنا أوقفت محرك التشغيل، وما أن ترجلت وجدته قد سبقني وطار إلى الصفوف الأولى يتقدم الشباب، يتنقل من مكان لمكان يناور الاحتلال، حتى واجهه ضابط كبير من جيش الاحتلال برصاص قنص متفجرة".

حرقة المشهد الأخير يلسع صوته "حمله الشباب بين أيديهم ينتقلون فيه من مكان لمكان استغرقوا ساعة إلا ربعا حتى أوصلوه لسيارة الاسعاف، لكن الإصابة كانت قاتلة واستشهد قبل وصوله للمشفى (..) لحظات صعبة ومؤلمة أن ترى شقيقك يستشهد أمام عينيك وأنت لا تستطيع فعل شيء شعرت أن رصاص الحزن يخترق قلبي، واسترجعت الله في مصابي".

الجمعة الأخيرة

حملت تلك المسيرة رقم الجمعة الثالثة والعشرين للتظاهرات الأسبوعية لقرية بيت "دجن" والتي يبلغ عدد سكانها خمسة آلاف نسمة ومساحتها 48 ألف دونم، نصفها تقريبا مهددة بالمصادرة تفصل القرية نابلس عن الأغوار، بدأت قصة المواجهة الشعبية منذ خمسة شهور بعدما شق الاحتلال طريقا استيطانيا خلسة بين جنحي الظلام داخل القرية، وأكمل حلقة الاستيطان قيام أحد المستوطنين بإنشاء بؤرة في أحد جبال القرية، فاجتمعت القرية بكل لجانها الشعبية وفصائلها يخرجون تحت راية الوحدة لطرده، بمسيرات شعبية.

"منذ 25 سنة يؤذن أخي بصلاة الفجر، حفظ عشرة أجزاء من القرآن يؤم الناس ويعلمهم القرآن ودورات التلاوة، فقد خرج أجيالا، تحلقه الناس وتبحث عنه في كل مكان يذهب ليأذن فيهم أو ليصلوا خلفه فكان صوته جميلا، حتى بالعمل الخيري كان في مقدمة التوزيع، وعندما شكلت لجنة زكاة اختاروه فيها لأنه محبوبٌ ومقبولٌ عند الناس".. كلمات يملأها الشجون حررها شقيقه.

لم تكن الرصاصة الأخيرة الوحيدة التي اخترقت جسده وأصابته، شقيقه يشد موقفًا من أعماق الذاكرة راجعًا لانتفاضة الأقصى: "حينما انطلقت الانتفاضة وأوقدت شعلتها في نفوس الشباب، وكان أخي بالمقدمة وأصيب بقدمه، حينها سمعه الناس يردد: "اللهم اجعلني من الشهداء" فكان يطلبها منذ زمن، ولا زالت الشظايا التي عانى منها مستقرة بجسده".

حينما تشق خيوط الشمس الغيوم وتهبط للأرض بعد صلاة الفجر، كانت تشق الابتسامة في سنابل وجهه القمحي نشاطًا وحيويةً ينطلق الشيخ عاطف خلالها لممارسة كرة القدم أو الطائرة، فلا زال الشباب يشعه بوجهه رغم الشعر الأبيض الذي بدأ يحتل جزءً من رأسه ولحيته في أي بقعة يصلها.

سجن الاحتلال الشيخ عاطف وشقيقه واصف لمدة عام سنة 1995م، يتوقف شقيقه هنا: "عانى أخي بالتحقيق لكنه ثبت ولم يأخذوا منه شيئًا، فخرج بعد سنة من أسره ولم يصدر أي حكم فيه".

لدي الشيخ ثلاثة أولاد: بكر 16 عاما، وليان 10 سنوات، ومحمد 6 سنوات، ظهر ورم في قدم ابنته منذ شهر، يقول شقيقه: "قام أخي بإتمام كل المعاملات للبدء في علاجها في مستشفى المطلع بعدما أظهرت الفحوصات أن الورم خبيثا".

تنفض كلمات شقيقه الغاضبة كرصاصة تفارق فمه يوجهها لمن قتله: "الاحتلال غدة سرطانية تستوجب مقاومته، وكل احتلال لا بد أن "يكون مقابله مقاومة، فهي جزء من الثمن المطلوب".

في ليلته الأولى بدون شقيقه وضع واصف هاتف شقيقه بجواره بعدما سلمه الشبان إليه، نام ليلته الأولى التي لم يعرف فيها النوم، صوت رنين منبه المنبعث من هاتف شقيقه عاطف أبى أن يبقى دموعه متيبسة في عينيه، كان الصوت كفيلا بإسقاطها لتجري على خديه.

"أتذكره بالفعاليات والمسيرات الوطني، هو شاب منتمي لدينه ووطنه، يدرس الأشبال القرآن الكريم، صاحب الصوت الندي، سنفتقد هذا الصوت خلال الأيام القادمة تحديدا في شهر رمضان، كان الصديق والأخ والجار، الإنسان الورع التقي ذو الهمة العالية، لم يفارق أي فعالية فيما يخص العمل الوطني والديني، كان مهتما بالأحداث التي تجري بغزة وحروب الاحتلال، كان صديقا وحبيبا للكل" بتلك الكلمات والسمات التي حركها صوت صديقه محمد أبو ثابت لـ "قدس الإخبارية"، نسدل الستار على قصة شيخ بيت "دجن".

 

#الشهيد #بيت_دجن #عاطف_حنايشة