شبكة قدس الإخبارية

خرق

Ma3an-01
 

مهند أبو غوش

ها أنا أكسر قرارا اتخذته في الزنزانة: إذ كنت قد قررت ألا أكتب عن تجربتي الضئيلة تحت وطأة جهاز الشاباك. إنها تجربة ضئيلة وغير مستحقّة بالفعل إذا ما قورنت بتجارب الآخرين. تجربة الصديق سامر عربيد مثلًا الذي واجه الموت تحت التعذيب، أو تجربة تسنيم، وهي فتاة بالغة اللطف وضئيلة الحجم، التقيت بها مرّتين في حياتي، وتوالى عليها المحققون في منشأتين تابعتين  لجهاز الأمن الإسرائيلي العام (شين بيت). لم يتمكن «شين بيت» من كسر روحي المذكورين. وخرجا من الزنازين رافعي الرأس. فأما سامر فإلى سجن لا تبدو نهايته قريبة، وأما تسنيم، فقد ألقوا بها إلى حاجز عسكري على مدخل بانتستون يطلق عليه إسم «دولة فلسطين». تعزز القرار لدي كلما مررت في المسار القصير في قبو الزنازين في الطابق واحد تحت الصفر، نحو منشأة التحقيق في ذات المبنى، في الطابق الثاني، بعشرات المعتقلين ممن لم يسمع أحد بأسمائهم، سوى عائلاتهم بالطبع. كنت قد قررت هذا خجلًا أمام تضحيات هؤلاء. أمام حسرة أحبائهم وهم يشاهدون حملة للإفراج عن إنسان كان محظوظًا لأنه ولد بهوية إسرائيلية زرقاء تشير إلى أنه ليس من الضفة الغربية، ولأنه اعتقل في حيفا المحتلة لا في جنين أو رام الله مثلا، اللتان تتكرر فيهما، في كل ليلة، حالات الدق على الأبواب في الليل أو حتّى تفجيرها، ودخول الجنود المقنّعين، المسلحين بكامل العتاد، إلى حجرات النوم، واقتياد الرجال والنساء  والأطفال نحو الزنازين.

هذا كلّه يحدث. هنالك العشرات من هؤلاء الآن، هنا، منسيون في الزنازين، ويتم اقتيادهم معصوبي الأعين. في هذه اللحظة تماما، عندما وصلت أعينكم إلى هذا السطر تمامًا.. في أربعة منشآت مخابراتية تمتد من عسقلان جنوبًا إلى الجلمة شمالًا، لكي يُربطوا بكرسي الشبح في غرف التحقيق، ويتم إخضاعهم لتحقيقات منهكة ومتواصلة لساعات، بعضهم يواجه بجسده المقيّد وعينيه المعصوبتين إجراء ل«التحقيق العسكري» الذي يعني أن التحقيق يمكن أن يوصل المعتقل حتى بوابات الموت. بعد خروجي بأيّام، اكتشفت أيضًا أن صديقيّ أبو الصقر وعطا، قد تم خطفهما من منزليهما أثناء اعتقالي وإرسالهما إلى زنازين المسكوبية في القدس.  لا حملة إنترنتية للتضامن مع أحد من هؤلاء. ما يؤلمني هو أن هذا الاحتفاء بسجين واحد بالذات ما لا ينبغي أن يحدث، خصوصًا إذا ما تم اعتقاله بتهمة «التواصل» مع أبناء شعبه. أن نكون شعبا واحدا، يعني، في الحد الأدنى، أن نتقاسم القمع قبل الخبز والأغاني والأحلام. هذا بالذات هو ما يدفعني الآن للكتابة. استيائي!.

على المرء، العاجز تمامًا في ظل تواصل عمل منشآت التحقيق هذه، أن يقول ما يمكنه قوله لكي نتذكر شبابًا وشيوخًا وصبايا وأطفالًا معصوبي الأعين، في هذه اللحظة بالذات. وهي اللحظة التي لا أحد منّا يعلم فيها ما هي حالة علاء عبد الفتّاح أو رزان زيتونة. في الأرض التي تمتد على خاصرة المتوسط، وتنتشر فيها السجون والديكتاتوريات والأحكام العرفية.

لقد خجلت ليلة خروجي، حين جربت الخلود للنوم فلم أستطع، وقرأت المقالات التي كتبها أصدقاء أحبّهم عني على شاشة الهاتف. أظن أن يدي قد ارتجفت في أكثر من مرة وأنا أحاول، محتضنًا طفليّ، يعاد وغسان، في الليلة الأولى، قراءة ما كتبه نائل ورامي وهلال ومحمد ورشا وعبد الرحيم. المُضحك أن الشاباك قد حقق معي حول هؤلاء أيضًا. هكذا أستطيع أن أقول، من دون أن أكذب، لقد كنتم معي يا أصدقاء، بطريقة غير متوقعة طبعًا، لكنكم كنتم معي. تساءلتُ عن معنى أن يُفرد لي ملفّ في «مدى مصر» ووسم على تويتر، وأنا أترك خلفي معتقلًا اسمه بسام ذياب، لم يسمع أحد ربما به، وهو مُضرب عن الطعام، أثناء التحقيق وتنقله بين منشآت مُختلة، لمدة ثلاثين يومًا. أعتذر لبسام حقًا. الأمر ليس في يدي يا أخي. جربتُ ألا أكتب. أنا غير مستحق أمام عذاباتك. أعتذر لمحمد فش منو، وأعتذر لعلاء عبد الفتاح، وسناء سيف، ورزان زيتونة، وماهينور المصري، وسامر عربيد. يبدو أن هذا العالم يصعب تعديل حاله يا أصدقاء. لكن علينا رغم هذا كلّه أن نجرّب. وأن ننذر أعمارنا للمحاولة.

بدأت القصة قبل عشر سنوات. وُلد ابني غسان. وكان السؤال الأول الذي انفجر في رأسي: كيف سأحتمل الاعتقال منذ الآن؟ لقد شعرتُ بشعور لا يُشبه الحب تجاه هذا الكائن. لم أعرف أن أجد له اسمًا سوى «الإشفاق»، وهو بحسب فهمي يختلف تمامًا عن الشفقة. الإشفاق مقترن بالخوف، بالرحمة، هو ليس حبًا تمامًا. ليس على الأقل حبًا نشاهده في أفلام هوليوود. إنه الخوف من التسبب بالأذى لمخلوق شديد الضعف والهشاشة. حين كنت أفكر بأمر اعتقالي المحتمل (وهو دائمًا محتمل) أمسكتَ الممرضة بغسان من عرقوبَي قدميه، كما يُمسك بذبيحة، وقامتَ بدق عدة حقن طبّية في آليته، وقد احتقن لون جلده الطري وتحول إلى البنفسجي فجأةً، وشرع في البكاء. تمالكتُ نفسي من ضرب الممرضة التي تقوم -بعد دقائق من ولادة ابني- بإيلامه من دون أن أستطيع حمايته. بكيتُ كما لم أبكِ في حياتي. شعرتُ بالعجز أمام المشهد. تمامًا كما شعرتُ بالعجز حيال مسألة منع اعتقالي. أعود إلى هذه البداية لأنني أتذكر تمامًا أن ضباط الشين بيت قد داهموا منزلي قبل أربعة شهور، أي قبل الاعتقال الأخير، حين كنتُ مع غسان وحدنا في المنزل. كنتُ في طريقي من المطبخ إلى حيث يجلس أمام الحاسوب في حصّة تعليم عن بعد، في زمن كورونا، أحمل في يدي كوب حليب ساخن للولد الذي يحاول أن يجيب على أسئلة معلمته. لمحتُ من زاوية الشبّاك ضباط المخابرات، وأسقط في يدي: ها قد جاءت اللحظة. وضعتُ الكوب جانبًا واحتضنته قريبًا من قلبي، وقلت له: حبيبي، لقد جاؤوا ليأخذونني، لا تخف. سأتصل بالماما لكي تأتي وتصطحبك معها.. شعرت برجفته في قلبي، حيث كنت أحتضنه. لم يكن ذاك قلبي وهو ينبض. بل كانت ارتعاشات الولد. دخل رجال المخابرات إلى المنزل. سلموني ورقة تقضي بتفتيش البيت، ومصادرة هاتفي وحواسيبي، كانوا يصرخون بالطبع، هكذا انفثأت فقاعة الأمان الواهمة التي جرّبت أن أخلقها منذ عشر سنوات لطفلي، الفقاعة الكاذبة التي تقع تحت حذاء عسكري ومخابراتي، مُهددة في كل لحظة. راقبني غسان وهم يضعونني في زاوية من زوايا المنزل ويستجوبونني، كنتُ أنظر إليه وهو يرتجف، وأرفض الإجابة عن أسئلتهم وأقول للولد: «تخافش غسان حبيبي، إسا بتيجي الماما».لكن من في هذا العالم يمكنه أن يصدق أن الولد لن يرتعب؟ كان طلبي إليه أخرقا تماما. إنني أطلب منه ألا يقوم بالأمر الوحيد الذي ينبغي لطفل في عمره أن يفعله حين يشاهد تسعة رجال يضعون والده في زاوية المنزل، ويتجولون في أرجائه. يخاطب أحد رجال المخابرات غسان باسمه، ويطلب إليه  آمرًا أن يجلس على الكنبة، فينصاع كما لو كان مشلول الإرادة. أمران كانا يتحركان في غسان: عيناه اللتان كانتا تراقبانني، وكلّ جسده الذي كان يرتعش، وكنتُ أشاهد هذه الارتعاشات عن بُعد، كان جالسًا على الكنبة من دون إرادة، ينظر في اتجاه واحد، يخشى أن يعصي أوامر المسلحين الذين يحتجزون والده أمامه. فأعصر في قلبي زجاجًا مكسرًا، وأعاود تكرار توجيهاتي الخرقاء: لا تخف.  مرّ وقت طويل إلى أن أتت عُريب، زوجتي، لمحتَ غسان مرعوبًا فبدأتَ بشتم ضباط المخابرات، انفجر غسان بالبكاء. أما أنا، فقد أسلمت الأمانة، مهشّمة، إلى حضنها. ووكّلت أمري لله. وحين أُفرج عني في ذات اليوم كنت أبلع شوكًا في حلقي وأنا أحاول أن أوضح له أن حصول هذا في ظل الاحتلال مُحتمل دائمًا، وأن السجون ليست مُخيفة كما تبدو، وأن صديقي (وصديقه أيضًا) باسل الأعرج، الذي سعد غسان برفقته قبل استشهاده، لابدّ أنه فخور بغسان لأنه لم يسمح لإسرائيل بأن تخيفه. كان هذا كذبًا بالطبع. كنتُ أطلب إليه ربما أن يكذب عليّ وأن يقول لي بإنه ليس خائفًا. مرّت أربعة شهور وغسان ينام ملتصقًا بي في السرير، أذهب للحمام، فيتبعني إن تأخرت ويتساءل إن كنت لا زلتُ في المنزل.

لعلّ اللحظة التي لشدّ ما رافقتني في أيام السجن، مشهد كان شديد التكرار. تدريب يعاد، ابنتي على السرقة. سأوضح: دائمًا، في لحظات الهدوء التي تجمعني بعريب والأطفال، أنزل إلى الدكان القريب، أحتمل سماجة صاحبه، أشتري صفيحتين من الكولا (أن تكونا صفيحتين معدنيتين لا قارورتين هذا شرط أساسي) ونجلس على الشباك المقابل للبحر، عكا تطل على الجانب الآخر من الخليج. مشهد بديع لا يخدشه سوى محاولات ابنتي يعاد للتسلل وسرقة صفيحة المشروب الغازي الخاصة بي، تمرق كما لو كانت سهمًا. تخترع ذريعة تشتت بها أنظاري، ثم، من وراء ابتسامة ساحرة تسرق الصفيحة، فتحدثني نفسي عن قوارير البيرة التي ستكرعها بعد بضعة سنوات (هذا إن لم «تهرّ» أسنانها حتى ذلك اليوم بفعل شرب الكولا) تحدّيًا لما تبقى من السلطة الأبوية. أضحك في قلبي، وأدعي الصدمة من انتهاء المشروب الذي تضع صفيحته بخفة في مكانها، كما لو لم يحدث شيء. وهي تواصل اللعب كما لو لم يكن هنالك أمر يستحق الالتفات إليه. أشد ما اشتقت إليه في السجن ممارسة هذه اللعبة مع يعاد. حسنًا، لست أبًا فاضلًا، أنا أدرب ابنتي على سرقة متعها الصغيرة في عالم يرفض بالمطلق أن تطلق الأنثى التي ستكونها العنان لمتعها. لاحقًا صارت هذه اليعاد، وهي تبلغ اليوم من العمر ثماني سنوات، بعد أن كسرت ظهري وأنا أحملها في مظاهرات حراك «طالعات» النسوي، تقول لي مفتتحة جملة ما: «إحنا النساء»، لتشير إلى ما يضايقها، معتبرة أنه يتم حرمانها من مشاهدة التلفاز لساعات متواصلة لأنها «نساء». كانت ذكرى تلك اللحظات الساحرة تدخل إلى الزنزانة قبل النوم. أعصرها في قلبي، لحظة بلحظة، وآمل أن أتمكن عمّا قريب من تكرارها حتى الأبد، أو، لنكن منطقيين، إلى أن تكبر يعاد وتكتشف أن هنالك في هذه الحياة ما يستحق مغافلة السلطة، أية سلطة، واختلاس حريتها، ثم مواجهة العواقب.

سأتذكر الآن اسما سمعته في غرف التحقيق، أورثني لقب أقدم معتقل في زنازين المنشأة، بحسب «ماركو»، ضابط برتبة ميجور، وهو المسؤول عن منشأة «الجلمة» للتحقيق، حيث احتجزت. لم أر صاحب الاسم أبدًا، لكنه كان جاري في غرف التحقيق. اسمه حسبما أذكر محمد عفانة، وهو معتقل من بلدة أبو ديس، أفترض هذا، بناء على معرفتي بأسماء العائلات في فلسطين. قضى محمد الأيام الثلاثين الأولى من جولات التحقيق وهو يقول للمحقق «فش منّو». كان هذا جوابه الأثير على جميع الأسئلة بلا استثناء، حتى حين يقول له المحقق: صباح الخير يا محمد، فبجيب الأخير: «فش منّو». بمعنى : هذا الحديث عار عن الصحة. وذات يوم دخل إلي أحد المحققين وهو يقول لي: لا تفعل كما يفعل محمد فش منّو. لأنك ستظل تحت التحقيق إلى أن تعترف. لقد اعتقلنا أخوه، وثلاثة من أصدقائه، ثم عمّه المسنّ. كنت قد تم نقلي إلى المنشأة على ما أظن بعد عشرين يومًا من اعتقال محمد فش منو. ولاحقًا، بعد أن أنهك طاقم التحقيق، تم نقله إلى سجن آخر، فأورثني صفة أقدم سجناء المنشأة.

أتذكر في السجن أحيانًا أصدقاء رائعين. أتذكر أسامة بلطفه الدائم (وغير المحتمل أحيانًا). كان أسامة قد شدّ أزري بين الاعتقالين، مذكرًا إياي بأيام التدوين. قال لي، قبل سفره إلى الولايات المتحدة، بأنني كنت أمثّل له إلهامًا. خجلتُ من نفسي. حصل هذا من دون أن أودّعه كما يجب. لحظات الوداع في حياتي كلها مقطوعة من المنتصف. أظل مخلصًا في الوداع إلى أن تتشنج تفاحة آدم في رقبتي، وأجد نفسي مضطرًا للتحديق في نقطة محددة بعينها في الغرفة محاذرًا تحريك جمجمتي، ويخال لي أنني لو جربت التحدث أو قمت بهز رأسي لتساقطت دموع لا أدري كيف تتجمع تحت الجفنين. لستُ عاطفيًا. أقول هذا وأنا متأكد. لكنني لم أستكمل وداعًا في حياتي. حينما دفنّا عيسى عابد، تسللنا قبل اقتراب الجنازة من المقبرة. سكبنا قنينة عرق في التراب. أخرجنا قدّاحاتنا وسجائرنا ودفنّاها. «ستلزمه هناك»، قُلنا. ثم انكفأنا عن الجنازة التي يكثر فيها خطباء يعيدون تكرار الخطاب، وهاتفون يعيدون تكرار الهتاف، وأعلام منسوخة بتكرار عجيب. دفنوا الزبّال الفذ، الشهيد، الصديق الذي لن يتكرر أبدًا، وعادوا إلى مقاهيهم وغرفهم وشوارعهم. وظل عيسى هناك. تذكرتُ عيسى أيضًا في الزنزانة. جربتُ أن أتخيّل أنه إلى جانبي. لكنه كان مجرد ذكرى مقطوعة، لم أشعر أنه -كما يحدث في الروايات-  يسندني. لا أحد يقف بجانبك داخل الجدران. لا شيء، بالمطلق، يقف إلى جانبك. قلت لنفسي إن الأمر كان ليكون أسهل لو كنت مُتدينًا، لكنني حرفيًا لا أجد ما أسند ظهري إليه هناك في لحظات اليأس، وهي كثيرة. كل هذا، برغم لطف وتجنّد خالد محاجنة، المحامي الذي أنهكني باستئنافاته المتكررة، والجميلتين سهير ولبنى، وجمال عبده، وجنان عبده، التي عاشت الظروف ذاتها أثناء اعتقال زوجها بذات التهمة الموجهة إليّ. هؤلاء جميعًا محامون تجنّدوا للدفاع عني، وأتذكر مُعتقلًا اسمه عدي، كنت قد سمعته يصرخ مناديًا على ابن مخيمه، نور شمس، ويطلب منه -إن خرج- أن يقول لعائلته إنه بحاجة إلى محامٍ خاص يهتم بقضيته، لا إلى محامٍ وكّلته وزارة الأسرى في السلطة له مع مجموعة كبيرة من المعتقلين الآخرين.

سمعت طلب عدي وأنا أجرّب أن أغني، أنهكتني تماما عدم قدرتي على تذكر كلمات الأغاني. أظن أن سميح شقير والشيخ إمام كانا ليقاضيانني حين يسمعا التنويعات العجيبة التي أدخلتها على أغانيهما. لا شيء بالمطلق يساندك هناك. يتم الدخول إلى الزنزانة عبر بابين، بينهما مساحة عازلة، تشبه فسحة إفراغ الماء في الغواصات، تعزلك تمامًا عن كل ما يحدث في العالم الخارجي. يأتي السجان، يعصب عينيك، يقتادك وسط أنفاس سجناء آخرين معصوبي الأعين، على طول الممر نحو غرفة التحقيق، في السابعة صباحًا، يتواصل التحقيق حتى الواحدة، موعد الغداء، التزام حديدي بحقوق الإنسان هنالك في المنشأة: يعصبون عينيك، ثم يقتادونك في مسار يمتدّ لخمس دقائق نحو الزنزانة، يتأخّر السجان في جلب الطعام، قبل انتهاء نصف ساعة، يقتادونك مجددًا نحو التحقيق، يحتسبون خمس دقائق إضافية للطريق، يستمر التحقيق حتى العشاء في السادسة، ثم تعود لجولة التحقيق الأطول، التي تستمر أحيانًا حتى الرابعة والنصف فجرًا. تعود منهكًا لاقتناص ساعتين أو ثلاث ساعات من النوم، يتخللها دق السجانين على الباب لإجراء العدد اليومي الذي يتمّ في الفجر، وبعدها إدخال وجبة الفطور التي تلقيها في الزاوية لأنك تريد أن تنام. ثم هوبا، وقت النشاط، ها قد زقزقت العصافير وأشرقت الشمس وجاء المحقق ليواصل القدح في جمجمتك. تتخلى عن خمسة دقائق للدخول إلى المرحاض (أكتب باللغة العربية، مفترضًا أن جميع مَن يقرأون هذا قادرون على فتح مجال المُخيلة لكي يدركوا ما الذي أعنيه بمرحاض في زنزانة). لا تعرف ما هو الطقس، لا تعرف ما هي الساعة، لا تعرف في أي يوم تحقيق أنت. كل ما تعرفه هو أنهم يقدمون لك شريحتي خبز ومربى، وهذا يعني أن الساعة صارت السادسة صباحًا. وأنهم يقدمون إليك المعكرونة وشريحتي خبز وقطعة خضار، وهذا يعني أن الساعة قد صارت الواحدة لدى الشاباك الذي يلتزم بالأوقات. ثم يسيل الوقت تمامًا. بين الغداء ولحظة النوم، يسيل تمامًا، ولا يعود يهم. أحيانًا لا أستطيع النوم في الساعات المُتاحة، فأشرع في الغناء. أو محاولته، أغني دائمًا للأطفال الأغنية التي اعتدت إرقادهم للنوم عليها: «الفلاحين» للشيخ إمام. ثم أضع رأسي وأحاول تخيّل أشكال وهمية على الحائط الإسمنتي.

ثم افرجوا عني. هكذا، من دون سابق إنذار. بدأ الأمر بخطفي بعد إيقاظي من النوم، مرّت فترة سائلة من الوقت، لا حدود لها، لا قيمة لها، ثم فتحوا باب الزنزانة وألقوا إليّ بكيس بلاستيكي أسود «لديك خمسة دقائق لارتداء ملابسك.. سنفرج عنك».  ثم ألقوا بي إلى الشارع. كانت الدنيا تمطر، كنت أحمل حواسيبي التي اعتقلت معي، بين ذراعيّ. شارع رئيسي لا ترعوي فيه السيارات عن رشقك بالمياه المتجمعة على حواف الطريق. خلفي العشرات ممن يدخلون المنشآت في تلك اللحظات ليبحثوا عن عيسى. عن سميح شقير والشيخ إمام، عن الله، عن أي شيء ليشدوا ظهورهم به. البعض يبكي في الظلمة. البعض يرتجف أثناء اقتياده نحو غرفة التحقيق. البعض يشاهد أشباحه ويواجهها، والبعض لا يفعل. انتهى الأمر كما بدأ فجأة. حلم قصير لم تعد هنالك حاجة لتذكره. أسير مبتعدًا وخلفي السجن وجبل الكرمل بأحراشه الموحشة،  أتساءل إن كانت يعاد ستظل مستيقظة لدى وصولي، أتساءل إن كنت سأتمكن من اللحاق بالدكنجي السمج قبل أن يغلق دكانته فأشتري صفيحة كولا، يغسلني المطر، سائرًا في شارع مبهورا بالأضواء، بالسيارات. وأقول لنفسي: حسنا، الأمر لا يستحق أن تكتب عنه فقرة واحدة.