شبكة قدس الإخبارية

مذكرات أوباما: بين المبادئ والانتهازية والمصالح الشخصية

Ma3an-01
 

_115610925_mediaitem115610924
طارق عكش

كثيرون طلبوا مني أن ألخص لهم بعض ما أقرأه في كتاب مذكرات أوباما الذي صدر حديثاً، واعتقد أنه مفيد جداً جداً (بالمنسبة هذا الكتاب هو الجزء الأول عن فترة رئاسته، بقية الفترة سيغطيها كتاب آخر ينوي إصداره لاحقاً).

سأكتب لكم بعض النماذج لما يوجد في الكتاب، وسأصنفها كما يلي:

1- معلومات "آكشن" فضائحية سريعة جذابة تجذب أكثر الناس.

2- أهم من ذلك معلومات وأفكار ضرورية لتصحيح فكرة الناس عن كيفية سير الدول والنظام العالمي.

3- ملاحظات تجعلك تفكر في بعض الأسئلة الكبرى في سير التاريخ والسياسة.. ربما يهتم بها نسبة اقل من البشر.

"معلومات الأكشن": القصص التي يرويها عن لقاءاته وانطباعاته عن القادة الذين تعرف عليهم، مثلاً كلامه عن عبد الله بن عبد العزيز ملك السعودية الراحل عندما التقاه في الرياض، كلام الملك عبد الله عن زوجاته الاثنتا عشر وسخرية أوباما من ذلك، عن الهدايا الباذخة والمجوهرات النفيسة التي تركها السعوديون كهدايا في غرف أوباما ووفده المرافق، وكلامه عن ثقافة الرشاوي والإفساد، والتي لم تنجح معهم يومها بسبب خشيتهم من صرامة القوانين الأمريكية بشأن الهدايا السياسية، مقارنة باحتمالات نجاح ذلك مع زعماء وقادة آخرين.

ثم مقارنته لقيمة هذه الجواهر وثروات حكام السعودية والخليج وفسادهم بفقر كثير من المسلمين، والذي يجعلهم (حسب رأيه) يتجهون للتطرف والعنف.

مثال آخر هو كلامه الساخر عن ساركوزي (رئيس فرنسا السابق) وشخصيته التافهة (لماذا معظم زعماء فرنسا عبر التاريخ كانوا هكذ؟!). كلامه عن نتنياهو وقدراته ومواهبه لكن أيضاً انتهازيته واستعداده لاستخدام أي وسيلة لتحقيق أهدافه.

وأخيراً كلامه عن محمود عباس وكونه أصلاً اختيار أمريكي صهيوني لحكم الفلسطينيين، وعن كلام عباس العلني الكثير عن ظلم الكيان الصهيوني للفلسطينيين بينما سلطته الفاسدة مرتبطة منفعياً واقتصادياً بالصهاينة من خلال المصالح الشخصية والتجارية لقادتها.

2- "كيف يسير العالم": ما سبق جذاب لكنه ليس بتلك الأهمية. ربما أهم ما قد يستفيده القارئ العادي من هكذا كتب هو فهم أكبر لكيفية سير الدول الحديثة، ولكيفية سير العالم ونظامه المعاصر والصراعات والتنافسات فيه.

معظم الناس (وربما العرب والمسلمين أكثر من غيرهم)، يستصعبون فهم المنظومات والتعقيدات والتشابكات والصراعات التي يُنتج تفاعلها شيء اسمه الدولة الحديثة والنظام العالمي الحديث.

الأمر أعقد مما يستطيع معظم الناس استيعابه، خاصة مع نشأتنا كعرب ومسلمين في عالم نحن فيه المُجَهَّلون المقموعون المغيبون "المفعول بهم"، مما يجعلنا نستسهل اللجوء لنظريات المؤامرة التبسيطية: مثل وجود قوة عليا تقود الأحداث بطريقة مخطط لها... الماسونية أو الصهيونية أو أجهزة مخابرات إلهية النفوذ والقدرات.

على سبيل المثال أحداث الربيع العربي، والذي يعبر أوباما عن اعتقاده أنه من الأشياء الأكثر أهمية أثناء فترة رئاسته، حتى الآن يعتقد بعض أعداء الربيع العربي أنه كان مؤامرة مخطط لها.

كثير من مذيعي السيسي تكلموا عن كونه مخططاً للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين تم بالتعاون مع "أوباما الإخواني"، أو ربما اليهودي الفرنسي برنارد هنري ليفي وأمثاله من "القيادات السرية للعالم".

الأمر لا يختلف كثيراً عند بعض مؤيدي الربيع العربي الذين يؤمنون بأن كل فشل كان بسبب مخططات كبرى مدروسة تم تنفيذها بطريقة لم يكن من الممكن التصدي لها.

أما من يقرأ الكتاب بتأمل فربما سيفهم الأمور بطريقة أخرى، سيرى بوضوح تعاطف أوباما وبعض أفراد طاقمه من صغار السن الثوريين مع فكرة الحرية والديموقراطية في العالم العربي.

لكن من ناحية أخرى المواقف المحافظة لأفراد طاقمه الأكبر سناً والذين كانوا يفضلون الاستقرار وبقاء الزعماء الدكتاتوريين الذين يخدمون مصالح أمريكا في المنطقة منذ عقود.

نفس الشيء مواقف البيروقراطية الأمريكية والخبراء العاملين في الخارجية الأمريكية والبنتاغون والمخابرات، والذين كانوا يفضلون الزعماء الخادمين لأمريكا.

يمكن أيضاً من الكتاب فهم أثر الحركة والعمل وبذل الجهد، من جهة نتائج الجهد الذي بذله نتياهو ومحمد بن زايد وحكام الخليج عموماً، والذين ضغطوا على الحكومة الأمريكية (بنجاح) لجعلها تقلل من تفاؤلها بمصير الثورات. ومن ناحية ثانية نتائج العمل والجهد والتضحيات التي بذلها الثوار، مثلاً في ميدان التحرير وموقعة الجمل، والتي لولاها (حسب كلام أوباما)، لما كان بالإمكان للثورة المصرية أن تنجح.

أوباما يذكر في كتابه كيف أنه كان محتاراً متردداً بين أمنياته بأن يتجه العالم العربي للحرية الليبرالية التي يؤمن هو بها من جهة، ومن جهة خشيته من "الإسلاميين واستغلالهم للثورات".

بالإضافة لأثر الضغوط وكلام حلفاء أمريكا أمثال نتنياهو وبن زايد، وتردد وعدم اتخاذ خطوات مؤثرة من أوباما، جعل الدم الذي بذله ثوار ميدان التحرير يسبق بأثره أي فعل لأقوى زعيم في العالم.

باختصار: حركة التاريخ هي نتاج تفاعل قوى ومتغيرات كثيرة، الذي تقصر به ثقافته عن استيعاب تعقيداتها، سيتوجه لأفكار ساذجة تبسيطية تآمرية تريح عقله.

3- "الأسئلة الكبرى": مع أن النقطة السابقة مفيدة لمعظم الناس ممن يستصعبون فهم آليات عمل السياسة المعاصرة، لكنها قد تكون بديهية لآخرين.

لذلك سأكتب الآن عن أشياء أعمق قد يستمتع بمثلها نسبة أقل من الناس. النافذة التي يفتحها هكذا كتاب نحو أسئلة استراتيجية فلسفية بخصوص الأنسان والسياسة والحياة.

ما قدرة الزعيم الفرد على التأثير على حركة التاريخ، مقارنة بقيود المنظومات التي حوله؟ هل الزعيم الفرد هو صانع للأحداث وللحركات الاجتماعية.. أم تعبير عنها؟

ما هو مكان المبادئ في العمل السياسي، مقارنة بحظ النفس والانانية والطموح الفردي؟

هذه الأسئلة يمكن استنباط بعض ما يفيد في فهم إجاباتها من هكذا كتاب، كتاب خطه رجل ذكي ومثقف جداً، وصل لأعلى مركز في الزعامة السياسية في أقوى دولة في عصره.

عللى سبيل المثال، وتبعاً للنقطة السابقة عن الربيع العربي، (إياك أن تقرأ هذه الجزء دون قراءة الجزء الذي بعده)، شعرت من الكتاب أن أوباما كان خائفاً من تحدي واشنطن التقليدية وحلفائها في الشرق الاوسط بخصوص الربيع العربي.

لكن مع ذلك أعتقد أن وجوده في البيت الأبيض وقتها قد وفر نافذة وفرصة ثمينة للثورة المصرية لكي تنجح وقتياً، إلى حين.

أوباما نشأ كيساري ليبرالي مطعم بقليل من المبادئ الثورية الغربية الحديثة: إيمانه بأن نشأة أمريكا معبدة بدم السكان الأصليين والأفارقة المستعبدين،

ودعم أمريكا للدكتاتوريات الفاسدة عبر العالم من أجل مصالحها، ربما عاطفة خفية تجاه تراث والده المسلم (أرجو ألا تقرأ فوكس نيوز هذا الكلام). ومع أن أوباما متلون مصلحي كما ينبغي للسياسي المعاصر أن يكون (سنتحدث عن ذلك في الفقرة التالية)، إلا أن نشأته ومبادئه، وأيضاً مبادئ القوى الثورية التي تشكل جزء من قاعدته الانتخابية، كل هذا جعله يرغب بمنح فرصة معينة للثورة المصرية بعدما رأى قوتها ونجاحها على الأرض. وقد تمثل ذلك في طلبه من البنتاغون وجنرالاته بأن يستخدموا علاقاتهم الشبكية القوية مع الجنرالات المصريين، اتصالات جعلت الجيش المصري يوافق على إعطاء فرصة معينة للثورة ضد مبارك.

في المقابل، أوباما يتحدث عن عدم قدرته، وحتى عدم رغبته، في التدخل لصالح الثورة في البحرين، بسبب كون المصالح الأمريكية في الخليج ومع قادته الدكتاتوريين أهم وأكثر حساسية من أمنياته بحرية ليبرالية في دولة مثل البحرين، كذلك تعقيدات الثورة السورية التي كان لأمريكا تحديات أكبر بخصوصها.

(الكتاب لا يغطي فترة عزل مرسي.. لكن يمكن تخيل إغلاق نافذة الفرصة التي سمحت بها واشنطن للربيع العربي بعدما وصل الإسلاميون للحكم في مصر (عكس رغبة أوباما في وصول الليبراليين).

ثم يمكن رؤية نفوذ بن زايد ونتنياهو على دوائر الحكم في واشنطن وما يمكن أن يفعله ذلك بتجربة هشة، غير محكمة، كتلك الخاصة بحكم الإخوان لمصر، كل ذلك من خلال ما يعترف به الكتاب من (سلطة للبنتاغون وال CIA على جنرالات مصر).

ما سبق له علاقة بمبادئ أوباما ورغباته (كفرد-زعيم) وأثر ذلك على الأحداث، مقارنة بأمريكا كمنظومة استعمارية مصلحية تعيش في نظام عالمي يستطيع به أمثال نتنياهو وبن زايد التأثير عليها.

هذا يقودنا للنقطة الأخيرة: المبادئ والسياسة، في بداية كتابه عندما يتحدث عن حواراته مع زوجته ميشيل عن فكرة خوض التجربة السياسية.. أوباما يتطرق بوضوح إلى تناقض العمل السياسي مع المبادئ. تناقض مزاعم السياسي برغبته في خير الناس والآخرين مقارنة بطموحه الشخصي ومصلحته الذاتية.

يبدو أن هذه الفكرة بديهية ومعروفة في السياسة والفلسفة الغربية.. (بينما نحن كأمة ما زلنا نستصعب الحسم في الأمر.. هل قرار سيدنا معاوية بن أبي سفيان استخلاف ابنه يزيد كان خالصاً تماماً لوجه الله ومن أجل جمع كلمة المسلمين (كما يقول ابن العربي في العواصم من القواصم)، أم به شي كبير من حظ النفس (كما يقول المودودي في كتابه الخلافة والملك).

في الدولة الإسلامية المرتجاة التي نريد إحيائها، كيف يتعامل القائد المسلم مع رغبته في التصدر والبروز.. هل يعترف بها؟ هل يقمعها لدرجة الإعراض عن التصدي للعمل القيادي والسياسي؟ هل يمكن أصلاً خوض التجربة السياسية المعاصرة دون اتقان إبراز النفس، المتعارض أصلاً مع الإخلاص والإعراض عن طلب الإمارة؟

في مقابل ذلك، الغرب متصالح مع فكرة الانانية والذاتية في السياسة، أحد أهم اختراعاتهم في الخمس القرون الاخيرة هو بناء لمنظومة توظف أنانية السياسي لمصلحة مجموع الشعب.

عودة لأوباما، أوباما براغماتي، مصلحي، متلون جداً، هذا ما جعله مناسباً وناجحاً كسياسي غربي، هناك مزاعم أنه ترك حبيبته البيضاء (الدكتورة شيلا مايوشي) لفهمه أن صورته كسياسي أسمر مبتدئ في شيكاجو، تحتاج منه صديقة أو زوجة سمراء.

أيضاً رأيت له مرة موقف "نذالة مع نتنياهو"، مع أنه يكرهه جداً إلا أنه نافقه مرة أمام عيوني (في التلفاز)، من خلال ذم المسلمين عبر ذكر القمع الذي تعرض له في مدرسته الإسلامية في أندونيسيا (عندما عاش هناك طفلاً) عندما كانوا يضربونه إذا استخدم يده اليسرى (أوباما أعسر) في الكتابة.

كان من الممتع قراءة تجربة هذا الشخص، والذي تربى على صراعات هوية ومبادئ فتحت له نوافذ القراءة لمناضلين مثل فرانز فانون والتاثر بهم، ثم كيف عاش تجرته السياسة الحافلة بالتزلف للقوى المحافظة التي تدير المنظومات.

هل كان حقيراً منافقاً لتخليه عن الكثير من مبادئه من أجل الوصول للقيادة؟ أم أنه أحسن العمل عندما نفذ وصية أمه (نصيحة مزعومة).بأن أفضل طريقة لتغيير المنظومات هو من خلال اختراقها؟

هل هذا التناقض بين المبادئ والرغبة في تغيير لصالح الناس، هو شيء خاص بالمنظومة السياسية الحديثة؟ هل هو شيء خاص بأوباما وعقده النفسية وصراعه بين هوياته المتناقضة (أم بيضاء – أب أسمر، المسيحية الحاكمة لأمريكا مقارنة بإلحاد معين .. وإسلام موجود في اسم أبيه)؟

أم أن التناقض بين المثالية المبدئية والسياسة هو تناقض دائم أزلي منذ نشأة البشر؟ ثم إذا كان الأمر كذلك ما الحلول التي وضعها الإسلام؟ أو تلك التي يجب أن نبنيها اهتداءً بوحي الإسلام في أنظمتنا السياسية الإسلامية المعاصرة؟

ملاحظة: بجانب صورة الكتاب.. وضعت صورة موقعة الجسر يوم 28 يناير أثناء الثورة المصرية والشهيد مصطفى الصاوي رحمه الله، دم البسطاء القادرين على التأثير السياسة العالمية، وبجانب ذلك صورة عشوائية من أحد كتب الرياضيات التي تعلمنا فيها اثناء دراسة الهندسة الكهربائية، التي تذكرني بالتعقيدات الموجودة في السياسة والاجتماع.

كما في الرياضيات هناك من لا يستطيعون فهم معادلة جبرية مكن متغير واحد، وهناك ناس (لستُ منهم) يعيشون حياتهم في تآلف مع معادلات تكاملية مصفوفية بها متغيرات من عشرات الأبعاد (نجحت في الهندسة دون ان أتمكن يوماً من فهمها كما ينبغي).

 

144726414_3834430886613335_2221154535312348482_o