شبكة قدس الإخبارية

كي لا نخون الشهداء... هذا عهدنا مع الحياة

988
هدى العف

يستيقظ الفلسطيني، كما لا يصحو أحد في العالم، وبدون سابق إنذار يتوجب على عقلك أن يستوعب أن الصباح هذه المرة لا تليق به كلمة "صباح الخير"، ولا مفرداتها التي تحمل السعادة والبِشر بيومٍ جديد. هذه مصطلحات صعبة على قاموسنا.

مرّة تفتح عينك على فاجعة، على شهداء، هدم لمنازل أسرى أو شهداء، اعتقالات ومداهمات واقتحامات، مواجهات وشبان أصيبوا بأطرافهم، طفل يأكل الساندويشة لكنّه فقد عينه، بلا مقدمات!، هكذا هي طبيعة الأخبار العادية هنا، وهكذا يبدأ عقلك باستيعابها، بكلّ ما فيها من مرارة، ويتساءل: "هل هذا الطبيعي هنا!؟".

اليوم، استيقظنا على مشاهد تدمي القلب، جثمانُنا يُعلّق على مقدمة جرافة إسرائيلية في خانيونس، هذا الإجرام الذي يُطلب من عقلك استيعابه أيضًا، ليس طبيعيًا بالمطلق. ولا يمكن أن يكون، هذا الإجرام الذي نحاربه، ويدفعنا أن نقاتل، كي لا نراه يتكرر، كي لا نصحو كما العادة على فواجع جديدة.

تمارس "إسرائيل" جرائمها كل يوم، وعلى أعين العالم، وبادّعاءات مختلفة، ومستمرة، من يكشف عُصبة العالم؟ ويزيل القناع الأسود عن عين العدالة؟ المحاكم الدولية؟! التي لم تحاكم العدو على جريمة واحدة من آلاف جرائم الحرب والإنسانية الموثقة بالكاميرات وليست بحاجة لتحقيق.

قبل 12 عامًا، عندما كنتُ في المدرسة، أقدمُ امتحان اللغة العربية، انهالت الصواريخ على مسامعنا، أجبرونا على إكمال الحلّ، الصوت يرتفع، صراخ بالجوار، صوت وقع الصواريخ أعلى، اهتزازات بالمدرسة، انتهى الامتحان، خرجنا بحذر وطلبوا منّا أن نمشي من شارعٍ خلفي، عبرت الطريق الأساسي لموقف الشجاعية، وهناك أحيل مركز الشرطة رمادًا، والجثامين على الأرض وعلى الحمّالات في سيارات الإسعاف المكتظة، دمٌ في كلّ مكان، دمٌ على الحجر، دمٌ على الطريق، دمٌ على القلب.

3 حروب أخرى، وعشرات التصعيدات من وقتها، شهداء كل أسبوع على الأقل، جرحى كل يوم، أسرى كل يوم، عيون تنطفئ، برصاص إسرائيلي، كي لا ترى المشهد كاملًا، نحنُ نراه - حتى الآن- عصيًا على المشاهدة، فظيعًا وقهريًا، دامٍ ومبكٍ، إلى حين أن نقرر نحن أو يقررون هُم، من يفقأ عين الآخر؟

اليوم، يحاول الاحتلال مرة أخرى، أن يضع اصبعه في عيوننا، يجاهر بجريمته، وأخاله يسألنا: "ها؟ هذا ابنكم، هذا جثمانه، وأنا أنكل به أمامكم، نعم بكل هذه الوقاحة والعنوة والبشاعة، فماذا أنتم فاعلون؟، ربما عليكم أن تزيدوا بيانات الشجب والاستنكار وتحميل "إسرائيل" مسؤولية ما جرى وسيجري، ودواوين مستمرة عن الكلام الإعلامي الذي لا يعوّض حتى عن غياب السلاح، مع الاعتذار لغسان.

المشهد اليوم قهري ويدمي القلب، قلتُ لما رأيته: "يجب أن يراه كلّ العالم"، من العالم؟! ماذا سيفعل لو شاهده؟! هذا الدمُ دمنا، هذا اللحمُ المصلوب، لحمنا، حقيقتنا، هذا الدم المقهور يتجدد فينا، ونقول العالم؟ من العالم؟ نحن العالم!.

إن كان من حقيقة أخرى، فهي أننا لن نبرح هذه المشاهد أبدًا، وعلى أعين العالم الذي لا يغير شيئًا، لن يتغير شيء طالما بقيت "إسرائيل" تحتل هذه الأرض الطيبة، وتسرق وتوغل، طالما بقي الاحتلال، فهذه هي الحياة هنا.

ولذا، فكلّ ما يجب قوله يتلخص في عبارة واحدة: "قاتلنا الله إذا لم نقاتل إسرائيل"، حتى آخر نقطة دم، حتى يتغير اتجاه الجرافة، إلى حيث تعود الخطوات إلى يافا، نرفع رايتنا قميص شهيد معطر بدمه الفوّاح، هذا عطرنا الأصدق حتى القيامة".