شبكة قدس الإخبارية

لماذا قد نراهن على انتفاضة؟

43
عرفات الحاج

أحترم كثيرًا دوافع تلك الآراء التي تقول بصعوبة اندلاع انتفاضة فلسطينية حاليًا، باعتبار أن الظرف الحالي غير مواتٍ للذي ساد إبان اندلاع انتفاضتي ١٩٨٧ و٢٠٠٠، والتي ترى عن صواب في الانتفاضة أو أي انفجارٍ جماهيري هو محصلة لتراكمات طويلة تراها غائبة في لحظتنا الراهنة.

نقطة الاختلاف جوهريًا، أنني لا أتفق مع أن هذه التراكمات غائبة عن لحظتنا الراهنة، وأرى أن الإشكال أساسًا في تداول مجموعة من المقولات الجاهزة كما لو أنها مسلمات، تدور في معظمها حول قراءة محقة لتركيبة ودور المنظومة الأمنية للسلطة والاحتلال وأدوات الإخضاع والتأديب للمجتمع الفلسطيني ودورها منذ ٢٠٠٦، وهنا موضع الخلل في استخدام هذه المقاربة.

من يقارن قدرات مشروع التسوية وقواه اليوم، بتلك القدرات والرهانات الرسمية والجماهيرية التي كان يحوزها قبل أيلول ٢٠٠٠، آنذاك كانت بُنى الفصائل قد تهشمت وتسابق كثر من كوادرها للتنصل منها، حماس اشتقت منها السلطة دكاكين لها، كذلك الجهاد، والجبهة فعليًا كانت تحتضر تنظيميًا بفعل تسرب كوادرها للسلطة ومؤسسات المجتمع المدني.

من يقارن بين مرحلتين، بوسعه أن يدرك أن قدرات هذا المشروع تراجعت كثيرًا، وباتت اليوم حقيقته الصلبة أكثر عري من أي وقت مضى، لا دولة ولا ما يحزنون، هذا "مشروع لحراسة الاحتلال بدون أي تجميل"، وحتى قدرته على التوظيف والتفريغ تقلصت بشكلٍ هائل، لكن ما الذي سمح للانتفاضة بالعمل في ذلك الوقت؟

الهبة التي أرادتها السلطة لبضعة أيام لتحسين خيار التفاوض، تحولت لانتفاضة حينما قررت بضعة من الكوادر والقيادات السياسية، حمل الخيار الجماهيري إلى منتهاه الطبيعي، فرفض جمال أبو سمهدانة قرار حل اللجان الشعبية، وقاوم عبد العزيز الرنتيسي الاعتقال السياسي في سابقة وكذلك فعل عبد الله الشامي وغيرهم.

أي أن هذه البقية القليلة من البُنى الفصائلية القائمة آنذاك، اعتبرت أن هذا الحدث رهانها الوحيد، وعليها أن تُلقي بكل أوراقها فيه، المال القليل والسلاح المحدود وبضعة الكوادر المتوفرة تم إلقاؤها في المواجهة المزدوجة مع الاحتلال من جانب، ومع محاولات إنهاء الانتفاضة بعد أسابيع من بدايتها.

ما يمنع اليوم حدوث انتفاضة، أن لدينا مشروعين بديلين عنها، أحدهما يعتبر نفسه امتدادًا للانتفاضة وبات اسمه المقاومة، فيما الآخر يعتبر ذاته خصمًا للانتفاضة وأداة لمواجهة الأول، أي أنه لا يوجد جسم سياسي يضع حوامله التنظيمية وكوادره في محرقة الانتفاضة ويراهن على ما ستنتجه.

الموقف اليوم أن لدى المقاومة رهانات على بدائل مواجهة أخرى. والسؤال اليوم لماذا قد نريد انتفاضة ومن يريدها؟ أي أنه سؤال حول القرار السياسي.

فالانتفاضة تحتاج فعلًا لقرارٍ سياسي بتشغيل الماكينات التنظيمية التي تختزن معظم الطاقة المادية والبشرية لهذا المجتمع. مرة أخرى الأمر فعلًا مرتبط بالقرار السياسي أكثر من "العوامل".

القرار بالتضحية بالمكتب التنظيمي شبه الأخير، وبالمؤسستين المتبقيتين لهذا التنظيم أو ذاك، وآخر عشر بنادق بحوزة التنظيم احتفظ بها لحين فرصة، ومبلغ لا يتجاوز عدد أصفاره أربعة.. ببساطة قرار بأن هناك فرصة تستحق أن تلقي فيها بكل هذا، وتراهن أنها ستجلب أكثر وأفضل منه، أو أنها فرصتك الوحيدة وشبه الأخيرة.